إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1089
زهر الآداب وثمر الألباب
فقال : يا أمير المؤمنين ، حملتني على غير الجدد : هيبة الخلافة ، ووحشة الغربة ، وروعة المفاجأة ، وجلالة المقام ، وصعوبة البديهة ، وشرود القوافي ، على غير الرويّة ، فليمهلنى أمير المؤمنين حتى يتألَّف نافر القول . فقال الرشيد : لا عليك ألَّا تقول ؛ قد جعلت اعتذارك عوض امتحانك . فقال : يا أمير المؤمنين ؛ نفّست الخناق ، وسهّلت ميدان السباق ، ثم قال : بنيت بعبد اللَّه بعد محمد ذرى قبّة الإسلام فاخضرّ عودها هما طنباها بارك اللَّه فيهما وأنت - أمير المؤمنين - عمودها فقال الرشيد : وأنت بارك اللَّه فيك ، سل ولا تكن مسألتك دون إحسانك فقال : الهنيدة يا أمير المؤمنين « 1 » ! فأمر له بها ، وبخلع نفيسة ، وصلة جزيلة . [ كاتب الحجاج عند سليمان بن عبد الملك ] دخل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على سليمان بن عبد الملك ، فازدراه ونبت عينه عنه ، فقال : ما رأت عيني كاليوم قطَّ ، لعن اللَّه امرأ أجرّك رسنه ، وحكَّمك في أمره . فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تقل ذلك ؛ فإنك رأيتني والأمر عنى مدبر ، وعليك مقبل ؛ فلو رأيتني والأمر علىّ مقبل ، وعنك مدبر ، لاستعظمت منى ما استصغرت ، واستكبرت ما استقللت . قال : عزمت عليك يا بن أبي مسلم لتخبرنّى عن الحجاج ، أتراه يهوى في جهنم أم قد قرّ بها ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تقل هذا في الحجاج ، وقد بذل لكم النصيحة ، وأمّن دولتكم ، وأخاف عدوّكم ، وكأني به يوم القيامة وهو عن يمين أبيك ، ويسار أخيك ، فاجعله حيث شئت . فقال له سليمان : اعزب « 2 » إلى لعنة اللَّه ! فخرج ، فالتفت سليمان إلى جلسائه
--> « 1 » الهنيدة - بزنة التصغير - اسم للمائة من الإبل ( م ) « 2 » اعزب : ابعد ( م )